أبي الفرج الأصفهاني

181

الأغاني

فرّجتها عنهم ، قال : فلم أسر إلا قليلا حتى أتيتها ، فإذا حيّ من بني أنمار بن الهجيم بن عمرو بن تميم ، وإذا أنا بشيخ حادر أشعر [ 1 ] يوقدها في مقدم بيته ، والنساء قد اجتمعن إلى امرأة ماخض [ 2 ] ، قد حبستهنّ ثلاث ليال . فسلَّمت فقال الشيخ : من أنت ؟ فقلت : أنا صعصعة بن ناجية بن عقال ، قال : مرحبا بسيدنا ، ففيم أنت يا بن أخي ؟ فقلت : في بغاء ناقتين لي فارقتين عمّي عليّ أثرهما ، فقال : قد وجدتهما بعد أن أحيا اللَّه بهما أهل بيت من قومك ، وقد نتجناهما ، وعطفت إحداهما على الأخرى ، وهما تانك في أدنى الإبل . قال : قلت : ففيم توقد نارك منذ الليلة ؟ قال : أوقدها لامرأة ماخض قد حبستنا منذ ثلاث ليال ، وتكلَّمت النساء فقلن : قد جاء الولد ، فقال الشيخ : إن كان غلاما فو اللَّه ما أدري ما أصنع به ، وإن كانت جارية فلا أسمعنّ صوتها - أي اقتلها - فقلت : يا هذا ذرها فإنها ابنتك ، ورزقها على اللَّه ، فقال : اقتلنها ، فقلت : أنشدك اللَّه ، فقال : إني أراك بها حفيّا ، فاشترها مني ، فقلت : إني أشتريها منك ، فقال : ما تعطيني ؟ قلت : أعطيك إحدى ناقتيّ قال : لا ، قلت : فأزيدك الأخرى ، فنظر إلى جملي الذي تحتي ، فقال : لا ، إلا أن تزيدني / جملك هذا ، فإني أراه حسن اللون شابّ السّن ، فقلت : هو لك والناقتان على أن تبلغني أهلي عليه ، قال : قد فعلت ، فابتعتها منه بلقوحين [ 3 ] وجمل ، وأخذت عليه عهد اللَّه وميثاقه ليحسننّ برّها وصلتها ما عاشت ، حتى تبين منه ، أو يدركها الموت ، فلما برزت من عنده حدثتني نفسي وقلت : إن هذه لمكرمة ما سبقني إليها أحد من العرب ، فآليت ألَّا يئد أحد بنتا له إلا اشتريتها منه بلقوحين وجمل ، فبعث اللَّه عزّ وجل محمدا عليه السلام ، وقد أحييت مائة موؤودة إلا أربعا ، ولم يشاركني في ذلك أحد ، حتى أنزل اللَّه تحريمه في القرآن ، وقد فخر بذلك الفرزدق في عدّة قصائد من شعره ، ومنها قصيدته التي أوّلها : أبي أحد الغيثين صعصعة الذي متى تخلف الجوزاء والدّلو يمطر [ 4 ] أجار بنات الوائدين ومن يجر على الفقر يعلم أنه غير مخفر [ 5 ] على حين لا تحيا البنات وإذ هم عكوف على الأصنام حو المدوّر [ 6 ] - [ 7 ] المدوّر : يعني الدّوّار الذي حول الصنم ، وهو طوافهم [ 7 ] - . أنا ابن الذي ردّ المنية فضله فما حسب دافعت عنه بمعور [ 8 ] / وفارق ليل من نساء أتت أبي تمارس ريحا ليلها غير مقمر [ 9 ]

--> [ 1 ] حادر : سمين الجسم غليظ . [ 2 ] ماخض : أدركها المخاض . [ 3 ] بلقوحين : بناقتين حاملتين . [ 4 ] يقصد أن هناك غيثا في السماء وغيثا في الأرض ، فغيث السماء المطر ، وغيث الأرض أبوه ، وأن أباه خير الغيثين ، فإنه لا يخلف إذا أخلفت بروج السماء . [ 5 ] غير مخفر : غير ناقض للعهد . [ 6 ] حين بفتح النون وكسرها ، وهم : القوم لا البنات . ( 7 - 7 ) التكملة من هد ، هج . [ 8 ] معور : معيب . [ 9 ] وفارق : « الواو واو رب » ، والفارق : الناقة أخذها المخاض فندت في الأرض ، والمراد هنا المرأة لا الناقة ، تمارس ريحا . . . إلخ : تعاني ليلة مظلمة عاصفة الرياح .